كيف بنى أتاتورك سدا على نهر التاريخ الإسلامي؟
كريم عبد المجيد
يرتبط الحديث دائمًا عن سياسات الجمهورية التركية، الداخلية منها أو الخارجية، بالحديث إما تصريحًا أو ضمنًا عن السياسات العلمانية التي تلتزم بها الحكومة والدولة منذ ما يزيد عن تسعين عامًا، أي منذ تأسيس الجمهورية ذاتها عام 1923 على يد المشير «مصطفى كمال» [حصل على لقب أتاتورك لاحقًا]. ولعل قيام الجمهورية التركية على تطبيق مبدأ «العلمانية» بشكل صارم، وفصل الربط بين أي تصرف له علاقة بالأوامر الدينية وبين سياسات الدولة، يدخلها في أوائل دول العالم الإسلامي التي تتبنى العلمانية بشكل رسمي فعلًا ونصًا في الدستور.
وأدى تبني مؤسسُ الجمهوريةَ الجديدةَ، الأيديولوجيةَ العلمانيةَ كإطارٍ يُحدد ملامح دولته في شكلها الداخلي والخارجي؛ إلى ترسيخ مبادئ جديدة تعمل على رسم هذه السياسات وتُعتبر بمثابة القواعد الراسخة التي يقوم عليها بناء الدولة. نتج عن هذه السياسات تصدعات كبيرة لم يقتصر أثرها على الاصطدام بقيم وثوابت المجتمع التركي في الجمهورية القائمة على أنقاض الدولة العثمانية، بل وصل تأثيرها إلى كل أنحاء العالم الإسلامي، فكانت بمثابة الزلزال الكبير الذي ما زالت آثاره وتبعاته مؤثرة وقائمة في بلداننا العربية والإسلامية إلى اليوم. وفي هذا المقال أقوم بإلقاء أضواء على نظرة مصطفى كمال إلى علاقة الدين بالدولة، وكيف نظر إلى الدين على أنه عامل من عوامل الرجعية، وأنه لا بد أن ينفصل بشكل تام عن سياسات الدولة، بل وأن تفرض الدولة سيطرتها عليه.
نظرة إلى مرحلة ما قبل أتاتورك
بالنظر إلى سياسات مرحلة ما قبل الجمهورية والتي تتعلق بعلاقة الدين بشئون الدولة، نجد أنه منذ وصول مقاليد الحكم في الدولة العثمانية ليد رجال جمعية «الاتحاد والترقي» بعد الانقلاب على السلطان «عبد الحميد الثاني» عام 1909، وبدا واضحًا للجميع أن سياستهم تسعى لتنحية الدين بصورة شبه كاملة عن الحياة السياسية، فمارسوا سياسات أدت إلى التقليل إلى حد كبير من سلطة علماء الدين على المؤسسات، أبرزها استبعاد شيخ الإسلام -أكبر سلطة دينية في الدولة- من مجلس وزراء الدولة في عام 1916، ونقل سلطته على المحاكم الشرعية والمساجد والمدارس، إلى وزارات جديدة للشئون الدينية.
هذه السياسات التي اتفقت بشكل ملحوظ مع السياسات التي تمت في المرحلة الكمالية، ولكن بدرجة أقل حدة مما مارسه مصطفى كمال، فلو عمل رجال «الاتحاد والترقي» على التقليل من تدخل علماء الدين في شئون الدولة، إلا أن العهد الكمالي أدى إلى محو أي سلطة دينية على مؤسسات الدولة بشكل كامل، بل وإعدام علماء الدين أنفسهم.
السياسات الكمالية
ولو أردنا النظر إلى السياسات التي طبقها مصطفى كمال في فترة حكمه التي تمتد لمدة خمسة عشر عامًا، من 1923 وحتى وفاته عام 1938 لوجدناها تنقسم إلى ثلاث مجموعات: الأولى هي علمنة الدولة والقانون والتعليم، الثانية الهجوم على الرموز الدينية واستبدالها برموز من الحضارة الغربية، والثالثة علمنة الحياة الاجتماعية. هذه المجموعات الثلاثة تمثلت في مجموعة كبيرة من القوانين والقرارات التي أدت إلى استبعاد الإسلام من المحيط العام بشكل شبه كلي، مع انتهاج برنامج تغريبي قائم على أساس هيمنة الأيديولوجية العلمانية الصارمة، وتنحية كل ما يمت للدين بصلة في شئون حياة الناس اليومية أو شئون الدولة، فكانت مجموعة من النتائج التي تم اعتمادها بناء على هذه الرؤية، تتلخص أهمها في النقاط التالية:
1922: إلغاء السلطنة العثمانية.
1924: إلغاء الخلافة الإسلامية، وطرد العائلة العُثمانية من البلاد، وتوحيد نظام التعليم وإغلاق المدارس الدينية والمحاكم الشرعية.
1925: إغلاق التكايا والزوايا.
1925: إنفاذ قرار ارتداء قبعة الرأس بدلا من الطربوش والعمامة، ومن يخالف الأمر يتعرض لعقوبة تصل للإعدام، بالإضافة لإقرار التقويم الغيغوري/المسيحي بدلًا من الهجري.
1926: إقرار القانون المدني السويسري بدلا من القانون المدني الإسلامي المتمثل في «مجلة الأحكام العدلية».
1928: شطب العبارة التي تشير إلى أن الإسلام دين الدولة في الدستور الذي تم إقراره في عام 1924، واستبدال القسم باسم الله، بالقسم بالكرامة الشخصية، مع استبدال الأبجدية اللاتينية بالأبجدية العربية في كتابة اللغة التركية.
1929: استبعاد المقررات التعليمية باللغتين العربية والفارسية في كل مراحل التعليم.
1932: تحريم الأذان باللغة العربية، وقيام المجمع اللغوي بترجمته للتركية، وطُلب لحن تركي من كونسرفتوار أنقرة لإلقاء الأذان به، ونُبه على جميع المؤذنين الالتزام بالآذان الجديد.
1933: إغلاق قسم علم التوحيد في دار الفنون (جامعة إسطنبول) .
1935: إقرار يوم الأحد عطلة رسمية بدلا من الجمعة.
1937: النص على علمانية الدولة في الدستور.
وعلى الرغم من أن كل بند من بنود هذه القائمة بحاجة إلى فقرة خاصة به، إلا أني استخلصت منها أربعة بنود من الممكن اعتبارهم محاور رئيسية يمكن الحديث عنها في سياسات أتاتورك لخلق دولة علمانية جديدة، وسياسته في التعامل مع المخالفين لهذه السياسات.
1- إلغاء السلطنة والخلافة
إمبراطورنا وخليفتنا المعظم، إننا سوف نستمر في جهادنا طالما أن الجنود الأجانب ما زالوا يعيشون على أرضنا، والأعداء يسيرون حول مساجد إسطنبول، والتي تعتبر كل زاوية [فيها] بمثابة رمز مضيء لحب إمبراطورنا للدين والإسلام. سلطاننا، قلوبنا مليئة بالولاء والخضوع، ونحن متجمعون حول عرشك ومرتبطون به بشكل أكبر من أي وقت مضى. الولاء إلى السلطان والخلفية هو الوعد الأول من الجمعية الوطنية الكبرى [البرلمان في أنقرة] وهي تعلن كذلك [يقصد بها الجمعية الوطنية] باحترام كبير وسرور أن كلمتها الأخيرة سوف تكون نفسها [الكلمة الأولى].
كان هذا هو نص الرسالة التي أرسلها مصطفى كمال إلى السلطان «محمد وحيد الدين»، آخر سلاطين الدولة العثمانية، قبل أن يقوم بإلغاء السلطنة بعدها بعامين في 1 تشرين الثاني/نوڤمبر 1922 وطرد السلطان نفسه الذي أرسل له الرسالة، ثم بعدها بعام وأشهر في 3 آذار/مارس 1924 يقوم بإلغاء الخلافة. إن هذان الحدثان يمثلان منعطفًا كبيرًا في مسيرة التاريخ الإسلامي الحديث، فإلغاء الغطاء السياسي المتمثل في السلطنة العثمانية عن الأراضي التي ما زالت تمتلكها الدولة [منها الأراضي العربية وإن كانت تحت الاحتلال] سبَّب فجوة كبيرة في مجموعة من المسائل السياسية التي كانت السلطنة العثمانية تعطي إجابة لها. وتُمثل كلمات برهان غليون في كتابه «نقد السياسة: الدولة والدين» بعبارة موجزة هذه المشكلة حيث يقول: « من المؤكد أن الدولة العثمانية، بما كانت تشكله من رمز لاستمرارية تاريخية ترجع بنفسها لبدء الإسلام، أي لحقبة التأسيس الأولى، كانت لا تزال تقدم، بالرغم من تفسخها، غطاء مقبولًا، وإن كان واهيًا، لمسائل كبرى ليس من السهل إيجاد الحلول السريعة أو النظرية لها، والتي لا تقوم بدونها دولة ولا سياسة. ومن هذه المشاكل مشكلة الشرعية التي تستند أو ينبغي أن تستند إليها السلطة، والقيم التي يمكن أن يمارس باسمها الحكم، وإطار السيادة والقوة التي كانت موروثة عن زمن الفتح والانتصارات العسكرية التاريخية … فما كان من الممكن إذن لانهيار هذه السلطنة إلا أن يحدث فراغًا حقيقيًا في عالم العرب السياسي، الفكري والعملي».
مصطفى كمال أتاتورك
كارت بريدي يعود لعام 1922 يصور مصطفى كمال بطلا من أبطال الإسلام، وبجواره الشيخ أحمد السنوسي، وصلاح الدين الأيوبي
كانت الخلافة بالنسبة إلى المسلمين رمزا لوحدة الأمة الإسلامية، وسلاحا من الممكن استخدامه ضد الأعداء دائمًا وبشكل فعال، وأمر إلغائها وهو أمر لم يحدث فعليًا منذ تولي الصحابي الجليل أبي بكر الصديق قيادة الأمة بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، فقد كان للخليفة الحق في إعلان «الجهاد» ليستجيب له المسلمون للدفاع عن أرضهم، كما كان له الحق بسبب سلطته الدينية على المسلمين أن يجمعهم ويساندهم في أي بقعة من بقاع الأرض، مثلما حدث مثلًا في القرن السادس عشر عندما أرسل السلطان «سليم الثاني» النجدة إلى سلطنة «آتشيه» الإسلامية شمال جزيرة سومطرة في «إندونيسيا» عندما طلب منه سلطانها الأسلحة لردع «الهولنديين» إنقاذًا للأراضي من الاحتلال. لدينا نموذج آخر في القرن التاسع عشر في عهد السلطان «عبد العزيز» عندما أرسل مسلمو «التركستان الشرقية» طلب الدعم بالأسلحة والعتاد من خليفة المسلمين في حربهم مع الصينيين. وعلى الرغم من عدم تبعة سلطنة آتشيه أو قيادة التركستان الشرقية للأراضي العثمانية؛ إلا أن حاكم دولة الخلافة بصفته خلفية المسلمين كان يستجيب لمساعدة المسلمين في أي مكان على الأرض وكان له الحق في هذا.
أما على مستوى التاريخ المعاصر، فقد نتج عن إلغاء الخلافة ظهور «الحركات الإسلامية» بكل توجهاتها، السلمية منها والمسلحة، الاجتماعية منها والسياسية، والتي تهدف إلى إعادة الخلافة الإسلامية التي تعيد وحدة الأمة الإسلامية مرة أخرى، هذه الحركات التي شاركت بشكل أساسي في صوغ المجال السياسي والاجتماعي في الوطن العربي والعالم الإسلامي، والتي ما زالت إلى الآن تعيد رسم وتشكيل شكل عالمنا الذي نعيش فيه، فقرار إلغاء الخلافة الذي اتخذه أتاتورك كان قرارًا مصيريًا في حياة الأمة ما زلنا نعيش تبعاته إلى الآن.
2- سجن وإعدام المعارضين
أعرب عن رفضي الصريح للاعتقاد الذي يقول بأنه يوجد في يومنا هذا وسط الحضور المضيء للعلم والمعرفة والحضارة في جميع الجوانب، في مجتمع تركيا المتحضر رجال بدائيون لدرجة أنهم يسعون وراء الرفاهية المعنوية والمادية من خلال توجيه شيخ أو آخر. أيها السادة يجب أن تعلموا أنتم والأمة جميعا، بل وتدركوا جيدًا أن جمهورية تركيا لا يمكن أن تكون أرض الشيوخ والدراويش والتابعين والأخوة المتدينين، فالطريق الأكثر استقامة وقانونية هو طريق الحضارة
مصطفى كمال أتاتورك
أدت القرارات التي أتخذها أتاتورك وحكومته إلى ردات فعل من قبل السياسيين والشعب ورجال العلم على السواء، فقد أدت هذه السياسات إلى نشوب احتجاجات على مستوى المحافظات التركية، منها المسلح مثل ثورة الشيخ «سعيد الكردي» عام 1925، وحادثة مدينة «مينيمين» بمحافظة «إزمير» عام 1930 التي هدفت إلى إعادة الشريعة والخلافة الإسلامية وتم القضاء عليها بواسطة القوات التركية، أو احتجاجات شعبية قوبلت بالسجن والإعدام والتشريد.
تم حظر ارتداء أي قبعة للرأس بخلاف القبعة الأوروپية، وكانت عقوبة مخالفة قانون ارتداء القبعات الأوروپية السجن لمدة عام، بل وصل الأمر لإعدام البعض بسبب إصرارهم على رفض ارتداء هذه القبعات. تفاقمت سيطرة الدولة ودمويتها وقمعها، فبموجب قانون حفظ النظام العام، تم إعدام 660 شخص، واعتقال حوالي 7500 شخص ممن يرفضون التحديثات الجديدة، بخلاف من فروا من السجن أو الاعدام. من ضمن من تعرض للسجن الروائي التركي الشهير «صباح الدين علي» الذي حكم عليه في عام 1932 بالسجن لمدة سنة؛ بسبب أبيات من الشهر تسخر من أتاتورك، أما من ضمن من فر من الدولة بسبب البطش، كاتب النشيد الوطني التركي والشاعر الإسلامي “محمد عاكف آرصوي”، حيث سافر إلى القاهرة عام 1925. تعرض كل من الشيخ «سعيد النورسي» صاحب «رسائل النور» إلى السجن والتعذيب، كما قُبض على عالِم الدين والمفكر الإسلامي الخوجة «محمد عاطف الإسكليبلي» عام 1925؛ بسبب اعتراضاته على طرق التحديث الغربية، فوجهت إليه تهمة معاداة التحديثات، وتم إعدامه في فبراير/شباط من عام 1926.
خوجة محمد عاطف الإسكليبلي
خوجة «محمد عاطف الإسكليبلي» عالِم الدين والمفكر الذي تم إعدامه بسبب انتقاداته للتغريب الذي تمارسه الجمهورية
خضعت كل الصحف للرقابة الصارمة، وأغلق ثمان من أهم الصحف والدوريات من كل التوجهات، وتُرك صحيفتان ناطقتان باسم الحكومة فقط وهما «السيادة الوطنية»، و «الجمهورية» كما تم تسريح ثُلثي أساتذة دار الفنون [جامعة إسطنبول] في عام 1933 ممن كان لهم ميول لا توافق السياسات المتبعة للدولة، وتم إغلاق الحزب «التقدمي الجمهوري»، وتم تشديد القبضة على مؤسسات المجتمع المدني، فقام الاتحاد النسائي التركي في عام 1935 بطلب من حزب الشعب الجمهوري [الحزب الحاكم] بحل نفسه، كما تم إلغاء اتحاد الصحافيين.
ونستكمل في المقال القادم البندان الآخران واللذان يدوران حول تأميم الجمهورية الكمالية للدين، والانقلاب الحرفي الذي أطاح بتاريخ قرون من الذاكرة التاريخية للشعب التركي.
3- تأميم الدين وإصدار نسخة تركية من الإسلام
– لا نستطيع ترجمة القرآن عظيم الشأن إلى التركية پاشا.
لماذا لا نستطيع ترجمته؟ أليس لكلمات القرآن معاني؟
– لا سيدي، لكن، آية مثل «ألف لام ميم» ماذا سنضع مقابلا لها؟
– وما معنى «ألف لام ميم»؟
– لا يوجد لها معنى سيدي.
– حسنا قم بوضع «صفر» مكانها واستمر في الترجمة!
حوار بين كاظم كارابكير، ومصطفى كمال بشأن أمر ترجمة القرآن الكريم من العربية إلى التركية.
نظرت الجمهورية الكمالية إلى مفهوم «العلمانية» بنظرة مغايرة عما هو معروف عنها من كونها أيديولوجية تقوم على مبدأ الفصل بين الدين من جهة والدولة وشئونها من جهة أخرى، فالعلمانية في الجمهورية الكمالية هي سيطرة الدولة على الدين وإخراج نسخة منه تتلاءم مع سياسات الدولة وتوجهاتها، لذا اتجهت إلى إصدار نسخة تركية من الإسلام ضمن توجهاتها القومية التي لا تريد لأي أفكار أن تتواجد خارج الثقافة ومحيط الحياة التركية، فتم في عام 1928 شطب العبارة التي تشير إلى أن «الإسلام» دين الدولة في الدستور الذي تم إقراره في عام 1924، واستبدال القسم باسم «الله» بالقسم بالكرامة الشخصية، وهي خطوة أكَّد بها مصطفى كمال على أن ميثاق تنظيم شئون الدولة يرفض وجود أي إشارة للدين كإطار قانوني اجتماعي يعترف به الدستور في الجمهورية الوليدة، وعليه اعتمدت الدولة في كل السياسات التي تبعتها.
وإذا تتبعنا بسرد تاريخي لمظاهر تتريك الإسلام في العهد الكمالي، نجد أبرزهم أمر ترجمة «القرآن» إلى التركية، فقد صدر من عام 1924 حتى عام 1927 «سبع» ترجمات مختلفة للقرآن على أقل تقدير، وشجَّع مصطفى كمال أمْر تحفيظ القرآن في نسخته التركية وأمَر أن يتم قراءته في المناسبات الدينية في الجوامع الكبيرة كجامع «السلطان أحمد» وجامع «آيا صوفيا» وأن يتم بثه عبر الإذاعة.
وثاني الأمور البارزة ضمن سياق عملية التتريك هو تحويل «أذان الصلاة» ومنع الصدع به باللغة العربية وهو الأمر الذي لم يحدث في تاريخ الإسلام البتة [وأعيد العمل بالأذان بلغته الأصلية مرة أخرى عام 1950]، إذ صدر قرار من المجمع اللغوي التركي بترجمة الأذان من العربية إلى التركية بالإضافة إلى طلب لحن تركي من «كونسرڤتوار» أنقرة لإلقاء الأذان الجديد به، ونُبه على جميع المؤذنين الالتزام بالأذان الجديد. وقد وجد هذا الأمر بالطبع اعتراضا واسعا وكبيرا، فكان يتم القبض على كل من يرفع الأذان بالعربية، وقد تبعت الحكومة هذا القرار بقرارات أخرى تُلزم خطباء الجمعة بأن تكون خطبتهم باللغة التركية وليست بالعربية، وتكبيرات العيد لابد كذلك أن يتم تتريكها، والصلوات على النبي لابد كذلك أن تقال بالنسخة التركية، فكل شيء لابد أن يصبح تركيًا ولا مكان للعربية في أي شعيرة من شعائر الإسلام.
الصفحة الأولى من جريدة «جمهورية» بتاريخ 31 يناير 1932 بعنوان رئيسي: «أول أذان تركي يصدع بالأمس من جامع الفاتح»
قد يهم البعض معرفة ما هي آراء مصطفى كمال عن «الإسلام» وكيف كان ينظر إليه؟ ربما يجيبنا على هذا السؤال رسالة كتبها مصطفى كمال بنفسه إلى «الجمعية التاريخية التركية» التي أمر بتأسيسها عام 1931 لدراسة تاريخ الأتراك وتاريخ تركيا، فيناقش فيها عدة أمور حول تاريخ الإسلام والنبي محمد [صلى الله عليه وسلم]، وفيها يصف آية من آيات القرآن الكريم بأنها محض سفسطة.
ترجمة القرآن أتاتورك
نسخة محفوظة في أرشيف «الجمعية التاريخية التركية»، لرسالة طويلة بخط يد أتاتورك نُشرت مطبوعة أغسطس 1931 وفيها يصف الآية الكريمة «أقرأ باسم ربك» بأنها محض سفسطة(*)
4- انقلاب الحرف
إن الأبجدية العربية لم يتم الكشف عنها بواسطة [الملاك] جبريل.
مصطفى كمال أتاتورك
إن لغتنا الجميلة تبرز لامعة ساطعة بالحروف الجديدة، ومن الضروري أن نتخلص من الإشارات التي حبست عقولنا من عصور مضت في إطار من حديد.
مصطفى كمال متحدثًا عن الأبجدية العربية التي تستخدمها اللغة التركية العثمانية في خطاب له في إسطنبول عام 1928.
تعتبر قضية إصلاح اللغة وتحويل أحرف الأبجدية التركية العثمانية من الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني، واحدة من أقوى الانقلابات التي نفذها مصطفى كمال وعصفت بتاريخ الشعب التركي وتراثه وحولته إلى ركام، فمع اعتناق الأتراك الإسلام وعلى امتداد عشرة قرون بداية من القرن العاشر الميلادي حتى أوائل القرن العشرين، كانت الأبجدية العربية هي أبجدية الكتابة للغة التركية الأناضولية القديمة ثم التركية العثمانية القديمة، والتركية العثمانية الحديثة في القرن التاسع عشر، ومع استبدال الحرف العربي باللاتيني تم تحويل مئات الآلاف من مواد التراث التاريخي والشعري والديني والفني وغيره إلى رموز لا يُفهم معناها، وتم فصل نهر التاريخ بين الماضي والحاضر مما ترتب عليه تدمير لثقافة الشعب وتراثه.
ويرجع تاريخ مسألة إصلاح اللغة والأبجدية التركية العثمانية، إلى أولى الدعاوى التي انطلقت في عهد «التنظيمات» في القرن التاسع عشر، عندما دعى إليها «منيف پاشا» أحد رموز ذلك العهد عام 1862، وتبنى من بعده عدد من الكُتَّاب والمفكرين في عهد «الاتحاديين» فكرة اعتماد الأبجدية اللاتينية بدلًا من العربية/الفارسية، أبرزهم «أنور پاشا» أحد قادة انقلاب تركيا الفتاة على السلطان «عبد الحميد الثاني» عام 1908، كما شارك بالقيادة في حروب البلقان [1912-1913] والحرب العالمية الأولى، فاستخدم بالفعل نسخة معدلة من الألفبائية العثمانية تحوي على حروف لاتينية في مراسلات الجيش العثماني في الحرب الأخيرة، وقد ظلت المناقشات تتداول حول مسألة الحروف واللغة حتى قيام الجمهورية، إلى أن تم حسم الأمر بإسكات جميع الأصوات المعارضة لتغيير الأحرف مع إقرار أتاتورك بصلاحية هذه التغييرات.
وللتعريف بالأبجدية الجديدة، قام مصطفى كمال بزيارات إلى عدة مدن وشارك بصورة شخصية بتعريف الناس بالأحرف الجديدة، كما أصدر أمرًا فوريًا بتحويل أسماء جميع السفن الموجودة لدى الدولة من الأحرف العربية إلى الأحرف اللاتينية، واعتبارًا من يوم آب/أغسطس 1928، أعلن مصطفى كمال أن الحروف اللاتينية هي الحروف الرسمية لكتابة اللغة التركية الجديدة بدلًا من الأبجدية العثمانية، كما تم في عام 1932 إنشاء «جمعية اللغة التركية» Türk Dil Kurumu لتطوير اللغة التركية بعيدًا عن تأثير اللغات الأخرى، فقام أعضاء هذه المؤسسة بجمع الكلمات من اللغات المحلية، والمصادر الأدبية القديمة وحتى من اللغات «التوركية» لوسط آسيا لاستبدال المفردات العثمانية.
أتاتورك واقفا على ركام الأبجدية العربية
كاريكاتير في صحيفة «آق بابا» بتاريخ 31 أغسطس 1928 يصور أتاتورك واقفًا على ركام الأحرف العربية
ولا نشك في أن الأسباب التي دعت مصطفى كمال إلى اعتماد التغييرات الهائلة التي أُدخلت على اللغة هي في اﻷساس أسباب أيديولوجية؛ تهدف إلى إبعاد المجتمع العثماني عن تقاليده الإسلامية والشرق أوسطية وإعادة توجيها نحو الغرب. ولنتوقف قليلًا عند الأمر للتفكير والتساؤل عن الأسباب التي طرحها مصطفى كمال ومناصرو تغيير الحرف عن أسباب اعتماد الحرف اللاتيني بدلًا من العربي، فنجد تنوعا في الآراء مثل القول بوجود مشاكل في النطق بين الأبجدية العربية واللغة التركية، وأن الحرف العربي لا يتماشى مع النطق الصحيح للكلمات التركية، بعكس الحرف اللاتيني الأقرب إلى النطق الصحيح للكلمات. نجد قولا ثانيا يقول بأن الأبجدية العربية صعبة التعلم مقارنة بالأبجدية اللاتينية السهلة، ونجد قولا ثالثا يؤكد على أن تغيير الحرف إنما هو من أجل اعتماد اللهجة التركية الإسطنبولية كلهجة رسمية في كتابة اللغة التركية، والحرف اللاتيني هو الأقرب للنطق الصحيح للكلمة في هذه اللهجة عن الحرف العربي، أما الرأي الرابع فيقول بضرورة هجر الحرف العربي واستبداله باللاتيني؛ كي نحصل على التقدم واللحاق بالأمم المتمدنة التي تعتمد على هذا الحرف في كتابة لغاتها.
ولمناقشة هذه اﻵراء من الممكن القول بأن كل اللغات تقريبًا يوجد بها بعض المشاكل بين الأبجدية وطريقة نُطق الكلمات، فهل عندما أجد مشكلة بين الأبجدية وطريقة نطق الكلمات، أذهب إلى تغيير الأبجدية بالكلية أم أعمل على إصلاح المشكلة القائمة بين الأبجدية واللغة؟ وهل لو وجدت صعوبة في الأبجدية الخاصة بلغتي أتركها بالكلية أم أستحدث طرق لتسهيل تعلُّمها وتعليمها؟ وهل لابد لي من تغيير أبجديتي كي أواكب الدول المتقدمة الحديثة؟ ولماذا لم يتم إذن استجلاب الأبجدية «الأيغورية» التركية القديمة أو أبجدية «الگوكتورك» القديمة لو أن المسألة تتعلق بالنطق الصحيح للكلمات التركية على غرار ما فعله اليهود عندما أرادوا أن يحيوا اللغة العبرية من جديد؟ كل هذه الأسئلة وإجاباتها المنطقية تصب في صالح بقاء الأحرف العربية للغة وليس تغييرها، فعندما طُرحت قضية تحديث الدولة لدى «اليابان» مثلًا لم تقم الدولة بتغيير الرموز المستخدمة في كتابة اللغة اليابانية لتواكب أبجدية الحضارة الحديثة، بل أخذت بأساليب النهوض العصرية وحافظت على أبجديتها واستمرت في كتابة علومها وفنونها بها.
يطل علينا سؤال آخر ضمن هذه القضية الهامة مفاده: هل وُجد من اعترض على أمر تحويل الحرف من رجال العلم أو الدولة؟ وجد بالفعل شخصيات شهيرة اعترضت في حينها على تحويل الحرف مثل «محمد فؤاد كوپرولو» الأستاذ الجامعي، المؤرخ والسياسي ووزير الخارجية الشهير الذي أقترح على أتاتورك تتريك الصلاة والأذان وكان مؤيدًا لسياساته، بالإضافة إلى «إبراهام گالانتي» السياسي والصحفي والقومي التركي اليهودي، وسرعان ما تم تنحيتهم وتهميشهم من المجال العام، وتعرض غيرهم ممن تبنوا نفس موقف الاعتراض إلى المضايقات والاتهامات من قبل الدولة، وكانت «مصر» حينها ملاذًا في أحيان كثيرة لمن يفضل أن يترك الجمهورية العسكرية التي لابد أن يوافق رأيك آراء حاكمها وإلا كان مصيرك السجن في أفضل الأحوال.
أبجدية أتاتورك
صورة من القانون الخاص بتحويل الحروف رسميًا من الأبجدية العربية إلى الأبجدية اللاتينية
لماذا إذن تم اعتماد الحرف اللاتيني بدلًا من العربي؟ يخبرنا «عصمت إينونو» وهو ثاني رئيس للجمهورية التركية وذراع أتاتورك اليمنى بوضوح عن سبب تغيير الأحرف في جملة تُنسب إليه، حيث يقول: «أكثر فائدة لانقلاب الحرف سهولة تغيير الثقافة»، فليس التحديث هو المطلوب بل فصل الجمهورية التركية عن أي شيء يتعلق بالماضي الذي يتصل بالإسلام والثقافة الإسلامية، وربطه بالغرب والثقافة الغربية.
(*) هذه الرسالة الطويلة التي بعثها مصطفى كمال إلى «الجمعية التاريخية التركية» Türk Tarih Kurumu والتي نُشرت في 16 – 17 أغسطس من عام 1931، قام الباحث والمؤرخ التركي أتيلا أورال Atilla Oral بنشرها في عام 2011 في كتاب بعنوان «Atatürk’ün Sansürlenen Mektubu» وفيها النص الكامل المنشور لأول مرة للرسالة المكونة من 21 صفحة بعد مرور 80 عامًا على كتابتها، وقد تم اقتطاع هذه الرسالة في السابق وتم تزوير بعض الأجزاء منها لإخفاء كلام أتاتورك عن آرائه الدينية.
المصدر: إضاءات
ج١: http://bit.ly/1lMSFm0
ج٢: http://bit.ly/1lMSIOA
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق