السبت، 28 نوفمبر 2015

الديمقراطية بين الحقيقة والواقع

كم تغيرت الدنيا منذ كنا فى صبانا ومطلع شبابنا نتعلم ألف باء الحياة . كان هذا فى منتصف القرن الماضى، عندما اعتنقنا أفكارا عن الحرية والديمقراطية لكنها اصبحت تبدو ساذجة للغاية. لم يكن السبب مجرد صغر السن وقلة الدراية والتجربة، بل كان من الأسباب أن العالم كان مختلفا جدا عنه الآن، فلم تعد الأفكار المقبولة (بل والصحيحة) حينئذ، مقبولة أو صحيحة اليوم.

كنا نعتقد (وهكذا قال لنا الكتّاب والمحلّلون السياسيون) أن العقبات الأساسية أمام تحقيق الديمقراطية تتلخص فى حاكم مستبد، يفرض رأيه بالقوة، ويمنع أى معارضة، ويودع معارضيه السجون، إلى جانب شيوع درجة عالية من الفقر، تجعل الناس يقبلون الاستبداد فى سبيل الحصول على لقمة العيش، ودرجة عالية من الجهل، تجعل الناس فريسة سهلة لأكاذيب الحكام، بل وتفقدهم القدرة على التمييز بين ما يحقق مصلحتهم وما لا يحققها. كان نظام الحكم فى ظل الفترة السابقة ، فى نهاية القرن الماضي ، مثال واضح للمعوقات الأساسية للديمقراطية: حاكم مستبد وسلطة مفرطة وتزمت في اتخاذ قرارات تحدد مصير شعوب وسجون لكل الافكار المعارضة دينية او علمانية او اي افكار اخرى ...الخ.

لكن مع حلول القرن الذي نعيشه الان أضيفت إلى عقبات الديمقراطية استخدام وسائل الإعلام فى خداع الناس وتضليلهم بشكل لا اخلاقي . وكانت الأمثلة الصارخة على ذلك حتى يومنا هذا ، استخدام جهاز جبار للدعاية من جانب الحكومات التي تفرض سلطتها ليس فقط على الارض من خلال اجهزتها القمعية بل وايظا في استخدامها شبكة الاثير الاعلامية لصناعة وغرز وتعزيز الافكار التي تراها في صالحها . هكذا أصبح «غسيل المخ» أحد المعوقات الأساسية للديمقراطية، بالإضافة إلى ميل الحاكم للاستبداد، وإلى الفقر والجهل. ومن ثم أصبح من المتصور (بل ورأينا بأعيننا) كيف تقع شعوب متقدمة اقتصاديا وثقافيا ضحية لنظم غير ديمقراطية.

هكذا كان الحال عندما بدأ وأعيننا تتفتح على ما يحدث فى العالم. حتى ظهر عامل جديد في هذه المعادلة الشاذة  عاملا آخر مهما لابد أن يضاف إلى هذه العوامل، وهو الاحتلال الأجنبى، فما ان دخلت القوات الامريكية الى الارض العربية لمحاربة الطاغية او الدكتاتور كما اسمته في حملاتها حتى وضحت الصورة بشكل كبير ليس فقط للمفكرين والكتاب واصحاب الرأي بل لبعض الجمهور الذي يبحث عن الحقيقة في الدهاليس المظلمة ، إذ كيف يمكن أن نتصور أن يسمح المحتل الأجنبى لشعب مستعمر بأن يحظى بحكومة ديمقراطية تعبر عن آمال الناس التى لابد أن تتعارض جذريا مع أهداف الاحتلال؟ ولكن من الواضح أن هذا لم يفت فى عضدنا، بل بدأنا نمارس مختلف طقوس الحكم الديمقراطى بمنتهى الجدية، منذ وضعنا اول دستور مشوه بأيدي اجنبية  ، فالمحتل اكبر محتال وخبيث حينما اتى لم يأتي بيد فارغة كان قد جهزة سلاحه الداخلي الذي سينشره في المجتمع ليفتته ويدمره وهوا بكل وضوح ( وجوه لطالما غنا لها في اعلامه الاسود حتى عمل منهم ثوار واصحاب حقوق ومجاهدين ضد الانظمة الاستبداديه الدكتاتورية كما يسميها ليقدم لنا ما نبحث عنه الكنز الضائع حلم الطفولة والشباب والشيخوخه ( الحرية والديمقراطية ) ولكن كما يشتهي ويرى وليس كما تشتهي الشعوب وترى  ، وها هي مخلفات الديمقراطية القصرية والحرية السوداء تظهر في كل معالم الارهاب الذي نعيشه ، فضلا عن شيوع الفقر والجهل بين ثلاثة أرباع السكان .

تغيرت الدنيا  فلم تعد لا شخصية الحاكم المستبد، ولا الفقر أو الجهل، ولا حتى الاحتلال الأجنبى معوقات شائعة فى طريق الديمقراطيةفقد صنع لنا معوقات اخرى لننشغل بها . حتى اصبحت الحرية و الديمقراطية تبدو وكأنها كالسراب، ــ تبتعد عنا كلما ظننا أننا نقترب منه، ليس فى بلادنا فقط بل وأيضا فى تلك البلاد التى ابتدعت الديمقراطية، ونطمع فى تقليدها. إن القول الذى يتردد بين حين وآخر بأننا نعيش فى عصر ازدهار الديمقراطية، هو أقرب إلى الأكذوبة، بل هو أكذوبة كبيرة يصدقها للأسف عدد كبير من الناس فى بلادنا وبلادهم على السواء.

فلنأخذ أولا تلك البلاد «العريقة ديمقراطيا». نعم، لقد اختفت أو كادت تختفى تماما أمثلة الحاكم المستبد الذى تنحنى له الجباه، وينصاع الناس لأوامره، بل وكادت تختفى أيضا أمثلة الرؤساء الذين يجمع الناس على احترامهم وحبهم بما لهم من كاريزما وجاذبية شخصية. ففى نصف القرن الماضى لم تعرف بريطانيا مثلا سياسيا له مواهب وجاذبية مثل ونستون تشرشل، ولا فرنسا رئيسا مثل شارل ديجول، ولا عرفت الولايات المتحدة رئيسا مثل جون كينيدى (بل ويلاحظ أن اختفاء أمثال هؤلاء الرؤساء والقادة ليس مصادفة بل له علاقة وثيقة بتطورات العصر . لقد عرفت هذه البلاد وغيرها رؤساء لديهم من صفات الممثلين أكثر من صفات الزعامة الحقيقية، من أمثال تونى بلير فى إنجلترا، وجورج بوش فى أمريكا، وبيرلسكونى فى إيطاليا، فهم ليسوا سوى ادوات او لعبة بيد صانعهم الذي يتحكم بهم .

يبدو إذن وكأن وجود حاكم قوى ومستبد كعقبة فى وجه الديمقراطية ظاهرة آخذة فى الزوال. ولكن العقبتين الأخريين (الفقر والجهل) قد تراجعتا بشدة هما أيضا، خلال المائة عام الماضية، وعلى الأخص خلال نصف القرن الماضى، ومع ما حدث من ارتفاع فى مستوى المعيشة وانتشار التعليم. فما الذى حدث إذن خلال الخمسين عاما الماضية، ليجعل المجالس النيابية فى هذه البلاد أقل أهمية بكثير مما كانت، وأعضاءها يفقدون الكثير مما كانوا يحظون به من احترام، ويجعل نسبة المشتركين فى التصويت فى الانتخابات تنخفض انخفاضا شديدا، ويزيد من جرأة الحكومات على اتخاذ قرارات لا تحظى بتأييد شعبى والاشتراك فى حروب لا تحظى برضا الرأى العام، بل ويعارضها الشعوب بكل قوة ،

أما بلادنا نحن، فقد كان من المحتم أن  تتأثر بما يحدث خارج حدودنا، مع بعض الاختلافات الناتجة عن طول عهدنا بالاستعمار والتبعية، حتى تيقنا انها تأثر بنا بصورة كبير من خلال ما نراه على ارض الواقع في الصراعات المذهبية والسياسية والاقتصادية التي نعيشها الان .

لقد عرفنا حتى وقت قريب ظاهرة الحاكم المستبد، حتى بعد أن كادت الظاهرة أن تختفى فى الغرب. ولكننا منذ السبعينيات، عرفنا أيضا حكام لهم صفات أقرب إلى صفات الممثلين منها إلى صفات الزعماء والقادة. ومع ذلك فقد استمرت محنة الديمقراطية عندنا، لعدة أسباب منها طبعا استمرار ظاهرتى الفقر والجهل، ومنها استمرار تبعيتنا لقوى خارجية، ولكن هناك سببا ثالثا هو الذى أريد أن أركز عليه فيما بقى من هذا المقال، وهو نفس السبب المسئول عن محنة الديمقراطية فى العالم ككل.

•••
خلال الأربعين عاما الماضية نمت ظاهرتان مهمتان، بينهما صلة وثيقة، وكان لهما تأثير بالغ على الحياة الاجتماعية والسياسية فى البلاد المتقدمة صناعيا، فى البداية، ثم انتشر تأثيرها فى منطقة بعد أخرى من العالم حتى شمل العالم كله، وكان من بين أثارهما إلحاق ضرر بالغ بالديمقراطية.

فمنذ أوائل السبعينيات من القرن العشرين، التفتت الأنظار بشدة إلى ظاهرة أطلق عليها اسم «الشركات متعددة الجنسيات»، وهى الشركات العملاقة التى يمتد نشاطها فى الإنتاج والتسويق، إلى مختلف أطراف الأرض، ومن ثم يصعب نسبتها إلى دولة معينة أكثر من نسبتها إلى أخرى، والتفتت الأنظار إلى نموها السريع وضخامة حجم نشاطها حتى فاق حجم بعضها حجم إنتاج دول بأكملها.

لم تكن ظاهرة الشركات العملاقة جديدة على العالم. فشركة بريطانية كشركة الهند الشرقية يعود نشاطها فى خارج حدود بريطانيا إلى أكثر من ثلاثة قرون. ولكن الأمثلة كانت محدودة فزادت وتضاعفت. وكانت الشركة تخضع للدولة الأم التى  نشأت فيها وتلتزم بسياستها، فأصبحت تتحدى حكومة دولة المنشأ وتتجاهل المصلحة القومية. بدأ الكلام إذن يكثر عن تضاؤل سلطان الدولة فى مواجهة سلطان الشركات العملاقة، وعن خضوع السياسة، أكثر من أى وقت مضى، لإدارة هذه الشركات بدلا من العكس. وأصبح الدبلوماسيون المنتشرون فى الدول المختلفة، يعتبرون من أهم مهامهم، إن لم تكن أهمها على الإطلاق، تحقيق مصالح هذه الشركات. وأصبح من الممكن أن نقول الشىء نفسه عن الهيئات الدولية. الدولة تضعف والشركات تقوى، والولاء للأمة يضعف فى مواجهة تيار العولمة. فما الذى يمكن أن نتوقع أن يحدث للديمقراطية السياسية؟ البرلمانات تُنتخب، والأحزاب تتنافس، ولكن الحقيقة أن محادثات خفية تجرى بين السياسيين وممثلى الشركات (سواء كان ممثلو هذه الشركات سياسيين أيضا أو لم يكونوا)، فلا تُلقى هذه المحادثات بالا للمناقشات البرلمانية، وتنتهى بقرارات لم يحددها أى حزب ابتداء، بل أصبحت هى التى تحدد اتجاهات الأحزاب (بما فى ذلك قرارات بشن حرب لصالح هذه الشركات). شعر الناس بذلك وإن لم يعترف صراحة به فأخذت نسبة الاشتراك فى التصويت فى الانتخابات تتضاءل، وفقدت المناقشات البرلمانية والخلافات السياسية بين الأحزاب الكثير من أهميتها، بل لقد تضاءلت الاختلافات بين الأحزاب المتنافسة (لنفس الأسباب)، وتحولت هذه الاختلافات، أكثر فأكثر، إلى اختلافات تافهة، كاختلاف درجة جاذبية رؤساء الأحزاب، أو الاختلاف حول قضايا بعيدة الصلة بالسياسة، كالموقف مثلا من إباحة أو حظر الإجهاض، أو إباحة أو حظر الزواج المثلى...الخ.
اما في وطننا العربي فالاختلافات اكبر وابشع واقسى فهي بين دينية مذهبية عرقية قومية تناقش في في مؤتمرات دولية وتنفذ بشكل مختلف على الارض ، ضحيتها الالاف من الابرياء بين اطفال ونساء وشباب وشيوخ تزهق ارواحهم في كل يوم يمر .


اقترنت ظاهرة نمو الشركات العملاقة، بارتفاع مستويات الدخل، والتقدم السريع فى وسائل الاتصال، وتخزين ونقل المعلومات، فنمت أيضا ظاهرة المجتمع الاستهلاكى، حيث يحل هدف زيادة الاستهلاك محل أى هدف آخر، سياسى أو اجتماعى أو أخلاقى. وظاهرة المجتمع الاستهلاكى هى كظاهرة الشركات العملاقة وتوأمها. فنمو هذه الشركات يتطلب العمل على زيادة الميل إلى الاستهلاك ايز كان هذا الاستهلاك وبأي شكل من الاشكال .
فمنذ بدأ تطبيق السياسة المعروفة باسم الانفتاح الاقتصادى (والتى لم تنتهجها دول العالم الثالث بمطلق حريتها بل فُرضت عليها فرضا)، وأصبح اتخاذ القرارات الأساسية فى بلادنا يخضع، أكثر فأكثر، لمصالح وإرادة الشركات العملاقة، تماما مثلما حدث فى الدول «العريقة ديمقراطيا»، مع اختلاف فى درجة الخضوع ، بالنسبة لنا درجة الخضوع كانت اكبر واقوى فهي تستنزف دمائنا قبل كل شئ ، ولكن المسيرة هى فى كل مكان فى نفس الاتجاه.
استمر بالطبع الزعم بأن الشعب هو السيد، وأن القرارات الأساسية تُتخذ بجميع الأصوات، وان الفرد هو الذى يختار حكامه، ويفرض إرادته بكل حرية فى ميدان السياسة، كما أنه يختار بمطلق الحرية بين السلع المعروضة عليه فيختار أفضلها. ولكن الحقيقة أن هذه الحرية السياسية أكذوبة كبيرة، كما أن حرية المستهلك فى اختيار أكثر السلع تحقيقا لمصلحته، فى ظل وسائل الدعاية والإعلام المختلفة، هى أكذوبة كبيرة أخرى.

هكذا أصبح العائق الأساسى أمام الديمقراطية السياسية فى بلادنا، مثلما هو فى بلادهم، ليس الحاكم القاهر المستبد، (رغم ظهوره بين حين وآخر)، وليس هو الفقر أو الجهل (رغم استمرارهما فى كثير من البلاد)، وإنما أصبح العائق الأساسى هو سطوة الشركات العملاقة التى يساعدها فى ترسيخ هذه السطوة، نمو ظاهرة المجتمع الاستهلاكى والقوة السياسية للدول العظمى التي تملك ترسانه عسكرية كبيرة تصيطر على مجرى الاحداث كيف وكما تريد ،
وتفرض افكارها و قرارتها على الشعوب بقوة السلاح .

نحن لا نعيش للأسف فى عصر ازدهار الديمقراطية. كل ما حدث هو حلول مستبد جديد في محل مستبد قديم ، الحرية والديمقراطية فكر تحول الى سلاح لاسعباد الشعوب .

الجمعة، 20 نوفمبر 2015

مهاجرين بين الوطن الام والوطن المجهول

ما الذي يدفعنا إلى أن نبيع كل ما نملك كي ندفعه أجرة لرحلة موت على ظهر قارب صغير في بحر هائج؟ أو في شاحنة مخصصة لنقل اللحوم أو البضائع على طريق دولي؟ أين هو هذا الفردوس الذي يستحق منا التضحية بنسائنا وصغارنا الذين لم يبلغوا بعد الشهر من العمر؟ أم أن الموت هو بعينه بات فردوسنا الذي نبحث عنه كي نتخلص من حياة نعيش فيها، لكننا نحسد الأموات على موتهم لأنهم لا يشعرون ولا يعانون ما نعاني؟ ما قيمة أن نستنشق الهواء بلا كرامة ولا خبز ولا مستقبل؟ هل بتنا في حالة مقارنة عن أيهما أفضل، الموت بغاز الكلور والبراميل المتفجرة كما يحدث يوميا في سوريا والعراق، أم الشواء ونحن أحياء معلقين على الاشجار بأيدي الميليشيات، أو على أعواد المشانق حسب قرار قاض يأخذ أمره من جاهل، أجبرنا على الاعتراف بما لم نقترف، تحت وطأة التعذيب والتهديد باغتصاب نسائنا؟ كيف لنا أن نتشبث ونُقنع شابا في العشرينات من العمر قذفته الحياة مع شهادته الجامعية إلى الشارع، أن يبقى في الوطن، بينما الوطن خطفته عوائل أثرت على حساب الفقراء والمساكين، أو ميليشيات جاهلة مسلحة، عمياء صماء بكماء، لا ترى ولا تسمع ولا تتحدث الا بمنطق القتل والتعذيب والاقصاء، ويتسيد زعاماتها المشهد السياسي والاقتصادي والأمني والاجتماعي وكل شيء؟ كنا مازلنا في مراحل الدراسة ونسمع من أن شبابا حاولوا الهجرة للعمل أو الدراسة، لكنهم عادوا أدراجهم إلى الوطن بعد أن أصابتهم حالة الشوق إلى الوطن والاهل والاصدقاء (هومسك)، وأخرين حصلوا على شهاداتهم الجامعية الاولية والعليا وعادوا مسرعين إلى بلدهم واهلهم، على الرغم من قضائهم عقدا من الزمن أو يزيد. أتذكر أن في العراق، في سبعينيات القرن المنصرم، صدر قانون سُميّ بقانون الكفاءات العلمية، أعطى امتيازات مادية ومعنوية لكل عراقي أو عربي يعود إلى العراق للعمل فيه، وقد عاد مئات الاف منهم ودرسنا على أيديهم في الجامعات. كان الكثير منهم قد قضى عقدين أو ثلاثة عقود في بلدان غربية متطورة، بل أن بعضهم كان قد تزوج من تلك البلدان وكوّن أسرة.أذن هل كانت بلداننا العربية على مستوى من التطور والرُقي تستحق المجازفة، كي يبدأ هؤلاء حياتهم من جديد وتصبح عامل جذب لهم للعودة؟ يقينا لا، لكن السبب الحقيقي هو الشعور بأن هنالك مستقبلا من خلال قراءتهم للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، ومن خلال الحركة المادية والمعنوية التي تنفذ على الارض. إذن عندما يكون هنالك شعور بأن الحاضر، حتى لو كان صعبا، هو إطلالة على المستقبل، يتولد عزم دافع للتشبث والبقاء في الوطن، والتضحية في سبيله بالغالي والنفيس. هذا الشعور هو الذي دفع عرب فلسطين كي يشكلوا منظمات فدائية في سبيل تحرير بلدهم، وهو الشعور نفسه الذي دفع الاف العرب من كل اقطارنا للانخراط في ذلك العمل البطولي، لان قراءتنا للمستقبل آنذاك كانت تشير إلى أن كل أقطارنا العربية هي مجال مستقبلنا، إذن لنظهر على هذا المسرح كل بطولتنا. ربما سائل يعترض بالقول إن الوضع السياسي في تلك الفترة كان سيئا أيضا، ونحن نقول نعم هو كذلك، لكن التغير الذي حصل في النظام السياسي العربي، أنه انتقل من حالة تسلطية إلى انتفاعية، أي أن الزعامات السياسية لم يكونوا يعتبروا الدولة ملكهم. كانوا يعتبرون الدولة أداة للسيطرة والحكم غير الديمقراطي، لكنها لم تكن مصدرا للاثراء لهم ولاولادهم وحاشيتهم وميليشياتهم.
كان من يُعتقل يعرف أهله مكان اعتقاله إما في الأمن أو المخابرات، وعندما يُعدم تأتي به الدولة إلى بيت اهله وتسلم جثته لهم، وكانت الخطوط الحمراء التي يجب عدم المساس بها معروفة. في الوقت نفسه كان هنالك شارع يُبنى ومصنع يُشيّد، ومدرسة وجامعة تقام، وتنمية اقتصادية واجتماعية ترتفع قوائمها على أرض الواقع ، على الرغم من أن سعر النفط لم يكن اكثر من 10 دولارات أمريكية. اليوم كل حزب وميليشيا ورجل دين وسياسة لديهم أجهزة أمنية ومعتقلات خاصة بهم، ومحاكم دينية ومدنية، وعندما يُعدم إنسان ما تلقى جثته على المزبلة في الشارع العام. ورغم أن أسعار النفط ارتفعت، لم نجد شارعا أو مدرسة أو مصنعا يقام، لأن الموارد جميعها وضعت في جيوب القائمين على السلطة.نعم هنالك صحف وقنوات تلفازية عديدة ومظاهرات، عكس السابق حيث كانت فقط صحيفة الحزب والقناة التلفازية الرسمية الوحيدة، لكن شعار المنتفعين اليوم هو «دعهم يقولون ما يريدون ونحن نفعل ما نريد». هذا التحول خلق جيوشا من العاطلين عن العمل، وتملُك الدولة بهذا الشكل أدى إلى رفض أخلاقي لها، لانها لم تُدخل عناصر المنافسة الشريفة بين الناس للحصول على الفرص.وفي ظل هذا الوضع الجديد حتى الوطن كمفهوم حصل عليه خلاف، بل بات الكثيرون يتساءلون عن مكان وجوده أصلا، هل حدوده هي حدوده طائفية أو اثنية أم عشائرية؟ وهل الخيمة الوطنية وجودها في الطائفة أو الاثنية أم العشيرة؟ هذه التناقضات خلقت حالة من الهلع لدينا والشعور بضياع الهوية والتغريب في أوطاننا، وبات السؤال الاهم، هل من الافضل أن أنتظر البرميل المتفجر يسقط على بيتي ويقتل عائلتي وأطفالي، أم نموت معا في شاحنة يُوصد أبوابها علينا المهرب، بينما نحن نحلم بالوصول إلى بلد آخر؟ أو نغامر بركوب البحر في قارب صغير متهالك، بينما يمتد بصرنا إلى البعيد حيث حُلم العيش بدون ميليشيات، وشواء البشر على جذوع الاشجار؟ كن مسؤولية موت أكثر من 50 مواطنا سوريا، بينهم نساء واطفال، في شاحنة نقل اللحوم التي تم اكتشافها متوقفة على الطريق السريع جنوب العاصمة النمساوية فيينا، والذي وصفته وزيرة الداخلية بأنه يوم أسود، وكذلك المئات الذين قضوا غرقا في البحر المتوسط قبالة السواحل الليبية والتركية والايطالية والاسبانية والمغربية، ليست مسؤولية النظامين السوري والعراقي فقط، بل هي مسؤولية كل الانظمة السياسية العربية. أحصوا أعداد العمالة الاسيوية والخبرات الغربية في بعض المجتمعات العربية، ستجدون بأنهم أكثر آلاف المرات من كل هؤلاء الذين ينتظرون على السواحل للهجرة. أسألوهم لماذا تركوا العلماء والمثقفين والادباء والمفكرين وأساتذة الجامعات والضباط العراقيين والسوريين والفلسطينيين، فريسة سهلة للميليشيات والبراميل المتفجرة والبحر المتوسط، والمهاجر كي تستفيد من علومهم وخبراتهم. لم يكن من الأجدر أن تحتضن كل هؤلاء أقطارنا العربية الاخرى التي لديها وفرة مالية وقلة في عدد السكان، بدل التفريط بهم بهذا الشكل المريع؟ إن هذه السياسات الفاشلة لم تُضيّع مليارات الدولارات العربية التي صُرفت على هؤلاء لإعدادهم وتطويرهم فحسب، بل ضيّعت ملايين الفرص كي يُطوّر العرب أنفسهم بقدراتهم المحلية وليس الاجنبية، بل الضرر الأكبر أن هذه السياسات تساهم يوميا في إضعاف الشعور بأننا أمة، فتهدد مستقبل أجيالنا، وتُعجّل من ذوبانهم في مجتمعات اخرى ؟ الم يكن اولى بما يسمى بالوطن العربي ان يحتضن هذه الكفائات العلمية والايدي العااملة، لكن عمالة هاؤلاء الحكام وتبعيتهم هي السبب الرئيسي لما يحدث وسيحدث . ٭ الاعلامي العراقي مثنى عبدالله